
"شكرا لك يا أبى" يا من سببت لى أعقد مشكلة فى التاريخ! ..فمن شدة إعجابى وحبى وإدمانى لك ..لا أجد رجلا مثلك ، وبالتالى لم أبادل أحدا الحب حتى الآن!
قُلت تلك الكلمات وأنا أقلب فى دفاتر أبى القديمة .. وفى متعلقاته التى تركها لأمى وصعد ! ، ليس إلى السماء .. بل أظنه قد قال ذات يوم أنه صاعد لقمة الجبل الذى بجوارنا
وإلتقط أدوات التسلق التى أهداها إياه أحد أصدقاؤه من نيجيريا .. وخمسة كتب وقلمان وواحد وعشرون ورقة بيضاء وعلبة سجائر من التى لا يدخنها.
وقال لأمى: إنتظرينى هنا فى كوخنا اللطيف. والذى صنعه لنا أبى الجميل وأخرج فيه كل مواهبه الهندسية ..لقد صنع أبى وطنا داخل كوخنا البسيط .. عشرات الألاف من الجرائد التى كان يتجرعها أثناء طفولته،ومئات الأقلام .. هذا إمتحن به إمتحان الفيزياء فى الثانوية العامة،وهذا أهدته إياه صديقته الفرنسية الشقراء فى عيد ميلاده التاسع عشر، وهذا هديه من زوجة اخيه فى عيد ميلاده الثامن، وهذا كتب به أول مقال نشر له فى مجلة "السنا" ، وهذا وقع به ميثاق حلمه الأكبر ذو العشرون بندا ، وعشرات السيديهات التى تحتوى على صوره فى كل مكان .. تلك الصورة على حائط المسجد الأقصى ،وتلك الفتاه التى بجواره تدعى "رولا".. فلسطينية تعيش فى منقطة الحكم الإسرائيلى .. أما من إلتقطت الصورة هى الأم "إشتياق" هكذا كتب خلف الصورة ، وكتب أيضا:"من يصنعون التاريخ .. لا يجدون وقتا لكتابته .. أنيس منصور" وتلاه بـ"من يلتقطون الصور .. يعيشون أسمى وأنبل أنواع التضحية .. فهم خارج الكادر دائما وأبدا .. مادز الجميل"
وتلك الصورة فى الأردن .. فى مزرعة إحدى الصديقات اللواتى يبذلن جهدا جبارا لكى يفهموه ولو لعشر دقائق فقط ! .. عموما قال لى أبى ذات مره أنها كانت تفهمه كثيرا .. كثيرا لدرجة أنه عندما قرصته نحله شارده .. قامت بتكريم تلك النحلة وتتويجها ملكة .. فقد تقمصت شخصية مادز للحظات وإستنتجت أنه عندما تقرص إحدى النحلات المتشردات جبهة مادز الجميل، فلن يكون رد فعله منطقيا ويقتلها فى الحال .. بل سيتوجها ملكة .. عموما هى قد فعلتها .

وتلك الصورة فى النرويج .. فى أوسلو على منصة التتويج لنوبل فى الجنون ! جنون من الألف إلى الباء ثم التاء .. وهكذا !!
ترى فيها شعره الكثيف .. أذكر أنه لم يحلقه منذ نوفمبر 2006 .. ياااه .. منذ 18 عاما !!
ولن أحدثكم عن كتبه .. لقد صنع منها جدران الكوخ .. تستطيع أن تنزع أى كتاب من مكانه دون أن ينهدم الجدار، فالكتاب المنزوع لا يترك مكانه فراغ .. بل يترك خلفه كمية من الثقافة والفكر لا تسمح بأى حال من الأحوال بتداعى الكتب الأخرى !
يقول لى أن هناك ثمة كتاب من كتب الجدار الشمالى .. كان يعشقة لدرجة أنه يفتحه أمامه عشرات الساعات دون ملل .. وبرغم أن كل صفحاته متشابهه البياض كقلبه إلا أنه كان يقلب بين الصفحة والأخرى ..مؤكدا كان يرى إختلافا لم أحلظه بعد، أنا أعشق إكتشاف عبقريات أبى وكذلك تفاهاته المصطنعة !!
وعندما رفعت وجهى لأجده أمامى وأنا أسقى وردتى الحمراء فى حديقة بيتنا القديم فى جنوب أفريقيا إكتشفت شيئا جديدا فى ملامحه .. شعرت بأنلون بشرته الحقيقى لا يزال يحتفظ به فى جلد رأسه أسفل شعره الكث!
وفى إحدى لياليه الوطنيه حكى لى أنه كان عليه أن يفاضل بين أمى ورحلة لإستراليا .. إختار إستراليا ، ولكنه إختارأمى عندما خيروه بينها وبين تعيينه مهندسا على محطة نووية فى الأرجنتين.. كان يبرر هذا بأن أمى تستطيع أن تتحمل جنونه خشية أن يدفعه هذا الجنون للضغط على زر من شأنه أن يبيد الأخضر واليابس فى لحظات ..
فى إحدى المرات سألته:لماذا يصنعون القنابل النووية ولا يستخدمونها ؟
أعرف يا أبى أنه سؤال مادزاوى .. فماذا تنتظر من إبنة مادز غير أن تكون مادزاويه !!
أجابنى : لو بيدى الأمر فكنت سأفعل شيئا من إثنين: إما أن أجمع كل الأبحاث النووية وأحرقها فى محرقة نازية وبعدها اتعاقد مع قطط العالم لتجمع لى عدد مناسب من الفئران فأضعهم فى كل ترسانة نووية وأحولها إلى خرابة نووية.. الحل الثانى والأنسب:أن أجند مهندسين مادزاوين على مستوى العالم ونتفق على ساعة الصفر .. 3 2 1 0 إنتهى العالم !
هذا أبى .. إما يمينا أو يسارا .. إما يوجد او لا يوجد .. وفى حالة "مع أو ضد" فهو إما مع .. أو خارج اللعبة تماما!
لم أندم عندما سألت أبى تلك السؤال لأنه أجابنى بتلك الطريقة التى لم يفهمها الناس فى قارة "أنتركتيكا" حتى الان !
قال لى :لا تقلقى يا عزيزتى .. حتما سيأتى شخصا أكثر حماقة من أقرانه ليفهم كل حرف كتبته .. وكل صورة إلتقطها .. وكل رسمة رسمتها .. وكل جبل تسلقته .. لا تقلقى يا ربا .. ربا أنت أجمل وأحمق فتاه فى تاريخ مادز!
ولا أنسى أنه صنع أعمدة الكوخ من تلك اللوحات التى يملك منها الآلاف .. أكلها بيضاء يا أبى ؟! .. هناك لوحة سوداء وضعها على الباب كى نمسح فيها أقدامنا قبل أن ندخل من باب الكوخ.. دفعنى فضولى لألتقطها ..
واااو .. ياااه ... من فبراير 2007 .. معرض كلية الهندسة .. وقصتان قصيرتان .. إنها ذكرى جميلة .. سأضعها على الحائط الذى فى وجه الباب .. كى تكون أول ما يراه أبى فى كوخنا عند عودته من رحلته!

ولكنى سألت نفسى بعد ان علقتها على الحائط بالفعل، سألت نفسى : وأين ما تعلمتيه من أباك يا ربا؟ أين نظرتك المادزاويه؟ أين مادز الذى بداخلك ؟ ببساطة هكذا إلتقطتى لوحة نمسح فيها أقدامنا ووضعتيها على الحائط .. أين الجنون؟ أين؟ أين؟؟
وقبل أن أنزعها لأعيدها إلى مكانها .. تذكرت أن عمر تلك اللوحة الورقيه 27 عاما .. أليس هذا سببا مادزاويا بحتا ليبرر فعلتى هذه؟
تركتها على الحائط وإنتظرت عودة أبى!!
رُبــا مادز الجميل 22 تشرين الأول 2034
سفح جبل إفرست .. أول وطن على اليمين!





































18 فبراير, 2007 02:11 م